اعتقال الصحفي حمود هزاع وإخفاؤه قسرًا… انتهاك متكرر يكشف تصاعد القيود على حرية الصحافة في مأرب

تعرض الصحفي حمود هزاع للاعتقال والاختفاء القسري في محافظة مأرب

لم يكن الإفراج عن الصحفي حمود هزاع كافيًا لإنهاء الانتهاك الذي تعرض له، فالإخفاء القسري والاحتجاز التعسفي اللذان سبقا الإفراج يمثلان انتهاكين جسيمين لا يسقطان بمجرد إطلاق سراح الضحية، بل يستوجبان تحقيقًا مستقلًا ومحاسبة المسؤولين عنهما.

وتكشف هذه القضية عن نمط مقلق من الانتهاكات التي تستهدف الصحفيين في محافظة مأرب، حيث تتقاطع القيود الأمنية مع التضييق الإداري والرقابة غير القانونية، بما يخلق بيئة تحد من حرية العمل الصحفي وتضعف قدرة وسائل الإعلام على نقل المعلومات بحرية واستقلال.

من الاعتقال إلى الإخفاء القسري

في 27 يونيو/حزيران 2026 اعتقلت قوة تابعة للأمن العسكري في محافظة مأرب الصحفي حمود هزاع أثناء وجوده في القاعة الكبرى بمدينة مأرب قبيل انطلاق فعالية “الاصطفاف الوطني”، بعد أن استُدرج من داخل القاعة إلى خارجها ثم اقتيد إلى الاحتجاز دون إبراز أمر قضائي أو إبلاغه بسبب القبض عليه، وفقًا لإفادته لفريق الرصد.

ولعدة ساعات ظل مصيره مجهولًا، ولم تتمكن أسرته أو زملاؤه من معرفة مكان احتجازه، الأمر الذي يجعل الواقعة تدخل ضمن أركان الإخفاء القسري خلال فترة إنكار أو إخفاء مكان الاحتجاز، وهي ممارسة يحظرها القانون الدولي بصورة مطلقة.

وبحسب إفادة الصحفي، نُقل لاحقًا إلى سجن الأمن العسكري، حيث مُنع من التواصل مع أسرته، وصودرت متعلقاته الشخصية، كما جرى حلق شعره بصورة مهينة، قبل إخضاعه للتحقيق دون تمكينه من الضمانات القانونية الأساسية.

رواية رسمية متناقضة

بعد تصاعد المطالبات بالكشف عن مصير الصحفي، أعلنت الشرطة العسكرية أن احتجازه جاء بسبب ما وصفته بـ”تطاوله” على وزير الإعلام والثقافة والسياحة معمر الإرياني.

غير أن هذه الرواية تعرضت لتناقض واضح بعدما نشر الوزير معمر الإرياني بيانًا عبر حسابه على منصة “إكس”، أكد فيه أنه لم يوجّه باعتقال الصحفي، ولم يقدم أي شكوى بحقه، وطالب بسرعة الإفراج عنه، وهو ما أضعف المبرر الذي استندت إليه الجهات الأمنية لتبرير عملية الاعتقال.

كما أفاد حمود هزاع لفريق الرصد بأن مداخلته التي سبقت الفعالية تضمنت انتقادات لأداء مؤسسات الشرعية، ولم تتضمن إساءات شخصية للوزير، مؤكدًا أنه احترم الوزير أثناء حديثه، وأن ما طرحه يندرج ضمن النقد العام للأداء الحكومي.

وتثير هذه الملابسات مخاوف جدية من استخدام الانتماء العسكري أو الادعاءات الأمنية كذريعة لتبرير احتجاز صحفي بسبب ممارسته حقه في حرية الرأي والتعبير.

إذا وُجدت مخالفة… فالقانون هو الفيصل

حتى بافتراض وجود أقوال قد تعتبرها جهة ما مخالفة للقانون، فإن التشريعات اليمنية لا تجيز القبض على الصحفيين وإخفاءهم قسرًا خارج الإجراءات القانونية.

وكان يتعين، إن وُجدت شبهة بارتكاب مخالفة، اتباع الإجراءات القضائية المعتادة، من خلال الاستدعاء الرسمي، والتحقيق تحت إشراف النيابة المختصة، وتمكين الشخص من معرفة أسباب احتجازه والتواصل مع محاميه وأسرته، وليس احتجازه في مكان غير معلوم وحرمانه من حقوقه الأساسية.

وتؤكد هذه الواقعة أن اللجوء إلى الإخفاء القسري والاحتجاز خارج إطار القانون يقوض مبدأ سيادة القانون ويحول الأجهزة الأمنية إلى خصم وحكم في الوقت نفسه.

انتهاك متكرر يعكس غياب المساءلة

ليست هذه المرة الأولى التي يتعرض فيها حمود هزاع لانتهاكات مماثلة.

ففي أغسطس من العام الماضي، تعرض أيضًا للاعتقال التعسفي والإخفاء القسري بعد اقتحام قوة أمنية منزله، وترويع أفراد أسرته، ومصادرة هواتفه وحاسوبه الشخصي، قبل إخفائه قسرًا ليوم كامل ثم احتجازه عدة أيام.

وتكرار الانتهاك بحق الصحفي نفسه، دون إعلان نتائج أي تحقيق أو محاسبة للمسؤولين، يعكس استمرار سياسة الإفلات من العقاب، ويبعث برسالة سلبية للصحفيين مفادها أن تكرار الانتهاكات لا يترتب عليه أي مساءلة.

تعهد بعدم الانتقاد… انتهاك لحرية التعبير

من أخطر ما كشفته شهادة الصحفي أنه طُلب منه كتابة تعهد بعدم انتقاد قيادات الشرعية أو وزير الإعلام، وعدم المطالبة بحقوقه علنًا، مقابل الإفراج عنه، وهو ما قبله تحت وطأة الاحتجاز والخوف من استمرار سجنه.

ويمثل هذا النوع من التعهدات قيدًا غير مشروع على حرية التعبير، ويحول الحق في إبداء الرأي إلى امتياز مشروط برضا السلطات، بما يتعارض مع الدستور اليمني والالتزامات الدولية لليمن، وفي مقدمتها المادة (19) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

مأرب… بيئة متزايدة القيود على العمل الصحفي

لا يمكن النظر إلى قضية حمود هزاع باعتبارها حادثة فردية معزولة، إذ تأتي ضمن سياق أوسع من القيود التي يشهدها العمل الإعلامي في محافظة مأرب.

وقد تلقى مرصد الحريات الإعلامية شكاوى متكررة من صحفيين ومراسلي وسائل إعلام أفادوا فيها بأن الجهات الأمنية تفرض الحصول على تصاريح مسبقة للتصوير وإعداد التقارير، بينما يواجه الصحفيون صعوبات كبيرة في استخراج تلك التصاريح، الأمر الذي يؤدي عمليًا إلى تعطيل التغطيات الميدانية.

كما وثق المرصد استمرار القيود المفروضة على الوصول إلى المعلومات، ووجود ممارسات رقابية وإدارية تحد من قدرة وسائل الإعلام على أداء دورها الرقابي، بما يؤثر على استقلاليتها ويقيد حق الجمهور في الوصول إلى المعلومات.

ولا تقتصر الضغوط على القيود الإدارية، بل تمتد إلى خلق بيئة من الخوف والرقابة الذاتية، إذ يدرك الصحفيون أن التعبير عن الرأي أو نشر تقارير ناقدة قد يعرضهم للاستدعاء أو الاحتجاز أو الملاحقة الأمنية، وهو ما ينعكس مباشرة على جودة التغطية الإعلامية.

آثار نفسية تتجاوز الاحتجاز

تكشف إفادة الصحفي عن آثار نفسية عميقة خلفها الاحتجاز والإخفاء القسري، إذ تحدث عن فقدانه الشعور بالأمان، واستمرار خوفه من التعرض للاعتقال مجددًا أو تلفيق اتهامات له، وهي آثار لا تنتهي بالإفراج عنه، بل تستمر طويلًا وتؤثر على حياته الشخصية وقدرته على ممارسة عمله الصحفي بحرية.

مرصد الحريات الإعلامية: الإفراج لا ينهي المسؤولية

يؤكد مرصد الحريات الإعلامية أن الإفراج عن الصحفي حمود هزاع لا يمحو الانتهاكات التي تعرض لها، ولا يعفي المسؤولين عن اعتقاله تعسفًا وإخفائه قسرًا من المساءلة القانونية.

ويطالب المرصد بفتح تحقيق مستقل وشفاف في واقعة الاعتقال والإخفاء القسري، وإعلان نتائجه للرأي العام ومحاسبة جميع المسؤولين عن إصدار أو تنفيذ أو التستر على عملية الاحتجاز غير القانوني ووقف استخدام الأجهزة الأمنية لمعاقبة الصحفيين بسبب آرائهم أو عملهم المهني وإنهاء القيود الإدارية والأمنية التي تعرقل عمل الصحفيين في محافظة مأرب، وضمان حرية التصوير والوصول إلى المعلومات دون عراقيل تعسفية والالتزام بالدستور اليمني والقوانين الوطنية، وبالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وضمان عدم تكرار ممارسات الاعتقال التعسفي والإخفاء القسري بحق الصحفيين.

إن قضية حمود هزاع لا تتعلق بحرية صحفي واحد فحسب، بل تمثل اختبارًا حقيقيًا لمدى احترام السلطات لسيادة القانون وحرية الصحافة. فحين يصبح النقد سببًا للاعتقال، ويُستخدم الإخفاء القسري لإسكات الأصوات المستقلة، فإن ذلك لا يهدد الصحفيين وحدهم، بل يقوض حق المجتمع بأكمله في الوصول إلى المعلومات، ويعمق مناخ الإفلات من العقاب الذي يغذي استمرار الانتهاكات.