عبدالصمد القاضي.. حين لا تنتهي جريمة قتل الصحفي عند لحظة الاغتيال

اقدم مسلحون مجهولون على اغتيال الصحفي عبد الصمد القاضي في تعز

لم يكن اغتيال الصحفي عبدالصمد القاضي في تعز نهاية جريمة، بل كان بداية لمعاناة جديدة تعيشها أسرته منذ لحظة فقدانه؛ معاناة البحث عن الحقيقة، وانتظار العدالة، ومواجهة صمت الجهات المعنية حول مصير التحقيقات ومن يقف خلف اغتياله.

ففي اليمن، لا تقتصر المأساة التي تواجه الصحفيين وأسرهم على لحظة سقوطهم ضحايا للرصاص أو العنف، بل تمتد إلى ما بعدها، حين تتحول الجرائم إلى ملفات معلقة، ويصبح ذوو الضحايا أسرى للأسئلة المفتوحة: من قتل أبناءهم؟ ولماذا؟ وهل ستصل القضية يوماً إلى قاعة المحكمة أم ستبقى ضمن سجل طويل من الجرائم التي لم تُحسم؟

في مساء 26 مارس/آذار 2026، اغتيل الصحفي عبدالصمد القاضي في مدينة تعز بعد أن أطلق مسلحون ملثمون النار عليه أثناء وجوده في متجره، مستخدمين مسدساً مزوداً بكاتم للصوت، قبل أن يلوذوا بالفرار. لم يكن القاضي في ذلك المساء مجرد صحفي فقد حياته، بل كان أباً لثلاثة أطفال، أحدهم ولد بعد مقتله ولم تمنحه الحياة فرصة أن ترى والدها، وزوجاً ترك خلفه أسرة وجدت نفسها فجأة أمام واقع جديد عنوانه الفقد والانتظار.

وبينما أعلنت الأجهزة الأمنية لاحقاً القبض على خمسة أشخاص يشتبه بصلتهم بالقضية، بقيت أسرة القاضي، بحسب إفادتها لمرصد الحريات الإعلامية في اليمن (مرصدك)، محرومة من معرفة تفاصيل أساسية حول التحقيقات، بما في ذلك أسماء المشتبه بهم، وطبيعة الأدلة، وما إذا كانت القضية تسير نحو المحاكمة أم أنها ستظل عالقة داخل أروقة الأجهزة الأمنية.

تكشف قضية عبدالصمد القاضي جانباً مؤلماً من واقع الجرائم المرتكبة ضد الصحفيين في اليمن؛ حيث لا تنتهي معاناة الضحايا برحيلهم، بل تنتقل إلى عائلاتهم التي تضطر إلى خوض معركة أخرى من أجل كشف الحقيقة وتحقيق العدالة.

صحفي وأب.. حياة توقفت برصاصة

كان عبدالصمد القاضي يعيش حياة تجمع بين شغف الصحافة ومتطلبات الحياة اليومية. لم يكن العمل الصحفي مصدر دخله الوحيد، إذ كان يدير بقالة صغيرة إلى جانب نشاطه الإعلامي، في محاولة لتأمين احتياجات أسرته في ظل ظروف اقتصادية صعبة فرضتها سنوات الحرب.

عمل القاضي في عدد من المواقع الإخبارية، من بينها موقعا “الساحل الغربي” و”2 ديسمبر”، وكان يتابع القضايا العامة وينقل الأحداث من محيطه، في بيئة إعلامية محفوفة بالمخاطر، حيث أصبح الصحفيون في اليمن يعملون وسط تهديدات متعددة، بين الاعتقال والتهديد والقتل.

في يوم اغتياله، لم يكن هناك ما يوحي بأن ساعات المساء ستكون الأخيرة في حياته. خرج من منزله كعادته، واحتضن أطفاله قبل أن يغادر، ثم عاد في منتصف اليوم لتناول الغداء والجلوس معهم قبل أن يتوجه إلى متجره.

تقول زوجته إلهام في إفادتها للمرصد إن عبدالصمد كان معتاداً على هذا الروتين اليومي، ولم تكن تعلم أن ذلك اليوم سيحمل النهاية المفجعة.

وتضيف أن ابنتها ميلا ولدت بعد مقتل والدها، لتصبح شاهدة على جريمة لم ترها، وتحمل قصة أب غاب قبل أن يمنحها القدر فرصة اللقاء به.

اللحظات الأخيرة.. شهود على الغياب لا على الجريمة

بعد تعرض عبدالصمد لإطلاق النار، تلقت الأسرة اتصالاً من أحد الجيران يفيد بإصابته. كان وقع الخبر، بحسب زوجته، صادماً، إذ انتقلت الأسرة سريعاً إلى المستشفى لمعرفة حالته.

وتقول إلهام إنها حاولت معرفة ما حدث من زوجها قبل وفاته، وسألته عن الأشخاص الذين أطلقوا النار عليه، فأجاب بأنه لا يعرفهم، وأنهم كانوا ملثمين.

لم يتمكن عبدالصمد من تقديم معلومات تكشف هوية منفذي الهجوم، ولم تعرف أسرته إن كان قد تعرض لتهديدات سابقة أو تلقى رسائل تحذيرية مرتبطة بعمله الصحفي.

وتقول زوجته إنها لم تكن تعلم بوجود أي تهديدات، لكنها لا تستبعد أن يكون قد أخفى عنها بعض المخاوف حتى لا يزيد قلقها عليه.

وبذلك بقيت إحدى أهم الأسئلة في القضية دون إجابة: هل كان اغتياله مرتبطاً بعمله الصحفي؟ أم أن هناك دوافع أخرى تقف خلف الجريمة؟

وحتى تاريخ إعداد هذا التقرير، لا توجد معلومات قضائية معلنة تحسم دوافع الجريمة أو تحدد الجهة المسؤولة عنها.

أسرة تنتظر العدالة.. والملف ينتقل بين الأجهزة الأمنية

عقب اغتيال القاضي، باشرت الأجهزة الأمنية في تعز التحقيقات، حيث بدأ الملف لدى البحث الجنائي، قبل أن ينتقل لاحقاً إلى الأمن السياسي، بحسب ما أفادت به أسرته.

وأعلنت الجهات الأمنية القبض على خمسة أشخاص يشتبه بارتباطهم بالقضية، وهو الإعلان الذي جاء بعد تصاعد المطالبات الإعلامية والحقوقية بضرورة الكشف عن الجناة ومحاسبتهم.

إلا أن الأسرة تقول إن هذه الخطوة لم ترافقها شفافية كافية، وإنها ما تزال تجهل تفاصيل أساسية حول التحقيق.

وتوضح زوجته أن الأمن السياسي لم يطلع الأسرة على أسماء المقبوض عليهم أو صورهم أو التهم الموجهة إليهم، كما لم يتم إبلاغها بما توصلت إليه التحقيقات أو ما إذا كانت هناك اعترافات أو أدلة محددة.

وتقول: لا نعرف أسماء المتهمين ولا نعرف وجوههم، وحتى لو خرجوا أمامنا فلن نستطيع معرفتهم.”

وترى الأسرة أن استمرار حجب المعلومات يزيد من معاناتها، خصوصاً أنها فقدت المعيل وأصبحت تواجه غموضاً حول مصير القضية.

كما تشير إلى أن الأجهزة الأمنية صادرت ثلاثة هواتف شخصية كانت بحوزة الصحفي بعد مقتله، ولم تُعدها للأسرة حتى الآن، رغم مرور فترة على الحادثة.

35 يوماً قبل الدفن.. احتجاج عائلة على غياب الإجابات

لم يكن قرار دفن عبدالصمد القاضي سريعاً بالنسبة لعائلته. فقد رفضت الأسرة دفنه لمدة 35 يوماً، مطالبة بضبط الجناة ومعرفة الحقيقة قبل مواراة جثمانه.

وبحسب زوجته، وافقت الأسرة على الدفن بعد إبلاغها من الجهات الأمنية بالقبض على عدد من المشتبه بهم، لكنها تؤكد أن ذلك لم يكن كافياً لإنهاء مخاوفها، لأن القضية بقيت بعيدة عن المسار القضائي.

وترى الأسرة أن العدالة لا تتحقق بمجرد الإعلان عن القبض على أشخاص، بل من خلال محاكمة عادلة تكشف الحقيقة وتحدد المسؤوليات.

فبالنسبة لعائلة فقدت زوجاً وأباً، فإن معرفة أسماء المشتبه بهم ومعرفة ما حدث في التحقيق ليست تفاصيل ثانوية، بل جزء من حقها في الحقيقة والإنصاف.

اغتيال القاضي في سياق أوسع.. نمط متكرر من الإفلات من العقاب

تأتي جريمة اغتيال عبدالصمد القاضي ضمن سياق طويل من الجرائم التي استهدفت الصحفيين اليمنيين منذ اندلاع الحرب، حيث وثقت منظمات حقوقية وإعلامية عشرات الاعتداءات التي تراوحت بين الاعتقال والاختفاء القسري والتهديد والقتل.

ومن أبرز السمات المشتركة في عدد من قضايا اغتيال الصحفيين خلال السنوات الماضية، استخدام أساليب توحي بالتخطيط المسبق، واعتماد منفذين مسلحين يفرون عقب تنفيذ الهجمات، إضافة إلى استمرار غياب الأحكام القضائية النهائية.

ففي يونيو/حزيران 2020، اغتيل المصور الصحفي نبيل القعيطي أمام منزله في عدن، بعد أن أطلق عليه مسلحون النار ولاذوا بالفرار. وأعلنت السلطات لاحقاً القبض على مشتبه بهم ووجهت اتهامات إلى جماعة الحوثيين، إلا أن القضية لم تصل إلى حكم قضائي معلن.

كما قُتلت الصحفية رشا الحرازي والصحفي صابر الحيدري في العاصمة المؤقتة عدن في 9 نوفمبر/تشرين الثاني 2021، إثر استهداف مركبتهما بعبوة ناسفة زُرعت أسفل سيارة زوجها الصحفي محمود العتمي أثناء توجههما إلى المستشفى لوضع جنينهما. وأدى الانفجار إلى مقتل رشا الحرازي وجنينها، وإصابة زوجها بإصابات بالغة. كما شهدت مدينة المكلا بمحافظة حضرموت اغتيال الصحفي محمد عيضة في 24 يونيو/حزيران 2026. وفي هذه القضايا، أعلنت جهات أمنية عن ضبط مشتبه بهم أو وجهت اتهامات لأطراف محددة، إلا أنها لا تزال، حتى إعداد هذا التقرير، دون أحكام قضائية نهائية تحدد المسؤوليات وتكشف جميع ملابسات الجرائم.

وبحسب معلومات حصل عليها مرصد الحريات الإعلامية من لجنة تبادل الأسرى التابعة للحكومة اليمنية، فقد تضمنت بعض قوائم التبادل أسماء أشخاص تقول اللجنة إن عليهم قضايا جنائية، من بينهم أحد المتهمين في قضية اغتيال الصحفية رشا الحرازي، الأمر الذي يثير مخاوف حقوقية من تجاوز المسار القضائي في قضايا جنائية خطيرة. و

العدالة المؤجلة.. انتهاك لا يقل خطورة عن الجريمة

في القضايا المتعلقة بقتل الصحفيين، لا تنتهي مسؤولية الدولة عند ضبط مشتبه بهم، بل تبدأ مرحلة أكثر أهمية تتمثل في ضمان تحقيق مستقل وفعال، وإحالة القضية إلى القضاء، وتمكين أسر الضحايا من معرفة الحقيقة.

ويؤكد القانون الدولي لحقوق الإنسان أن الحق في الحياة يرتبط ارتباطاً وثيقاً بواجب الدولة في التحقيق الفعال عندما تقع جرائم قتل، وأن غياب المحاسبة يشجع على تكرار الانتهاكات ويخلق بيئة آمنة للجناة.

كما أن استمرار تأخير المحاكمات أو إبقاء المعلومات بعيدة عن أسر الضحايا يحول الجريمة من حادثة فردية إلى معاناة مستمرة، ويعمق شعور الضحايا بأن العدالة ليست متاحة لهم.

في قضية عبدالصمد القاضي، لا تزال الأسرة تنتظر الإجابة عن الأسئلة الأساسية: من قتله؟ وما الدافع؟ ومن خطط للجريمة؟ وهل سيصل الملف إلى القضاء أم سيبقى ضمن الملفات المؤجلة؟

وبينما تكبر ميلا دون أن تعرف والدها، ويواصل أطفال عبدالصمد حياتهم وهم يحملون ذكرى أب فقدوه برصاصة، تبقى قضية الصحفي عبدالصمد القاضي اختباراً جديداً لمدى قدرة مؤسسات العدالة في اليمن على كسر دائرة الإفلات من العقاب وإنصاف ضحايا الجرائم ضد الصحفيين.