الحوثيون يفرجون عن أربعة صحفيين في الحديدة بعد 420 يوماً من الاحتجاز والإخفاء القسري
أفرجت جماعة أنصار الله (الحوثيين)، مساء الأحد 19 يوليو/تموز 2026، عن أربعة صحفيين وعاملين في المجال الإعلامي بعد أكثر من 420 يوماً من الاحتجاز التعسفي في سجونها بمحافظة الحديدة، في خطوة لا تنهي معاناتهم ولا تطوي صفحة الانتهاكات التي تعرضوا لها، ولا تعفي المسؤولين عن اعتقالهم وإخفائهم وتعذيبهم من المساءلة القانونية والأخلاقية.
وأفرج جهاز الأمن والمخابرات التابع لجماعة الحوثي عن الصحفيين عبدالجبار زياد، وعبدالعزيز النوم، وعاصم محمد، وعبدالمجيد الزيلعي بعد إلزامهم بتقديم ضمانات تجارية، وفرض تعهدات وقيود تمنعهم من مغادرة محافظة الحديدة أو السفر إلا بعد الحصول على موافقة مسبقة من الجهات الأمنية، في استمرار لنهج يقيّد حرية الصحفي حتى بعد الإفراج عنه، ويحول الحرية إلى شكل آخر من أشكال الرقابة والإكراه.
وكان الصحفيون الستة قد اعتُقلوا في 26 مايو/أيار 2025 خلال حملة أمنية استهدفت إعلاميين وصحفيين في محافظة الحديدة، قبل أن يتعرضوا للإخفاء القسري لعدة أسابيع، مع حرمانهم من التواصل مع أسرهم أو الزيارة أو الاستعانة بمحامين، في انتهاك صريح للدستور اليمني والقانون الوطني والمواثيق الدولية التي تكفل الحق في الحرية والسلامة الشخصية وضمانات المحاكمة العادلة.
ولا يزال الصحفيان وليد علي غالب، نائب رئيس فرع نقابة الصحفيين اليمنيين بمحافظة الحديدة، وحسن زياد، رهن الاحتجاز، وسط مخاوف متزايدة على سلامتهما، خاصة مع استمرار تدهور الحالة الصحية للصحفي وليد غالب.
وبحسب المعلومات التي حصل عليها المرصد، فإن غالب يعاني من مرض السكري وارتفاع ضغط الدم وأمراض مزمنة أخرى، في حين تواصل جماعة الحوثي حرمانه من الرعاية الطبية والأدوية اللازمة، محملاً الجماعة المسؤولية الكاملة عن أي مضاعفات صحية قد يتعرض لها نتيجة استمرار احتجازه.
وقال محمد إسماعيل، المدير التنفيذي لمركز الدراسات والإعلام الاقتصادي، بأن الإفراج عن الأربعة الصحفيين يمثل خطوة مهمة، لكنه لا يكتمل ما دام زملاؤهم ما يزالون خلف القضبان، وما دام ملف الانتهاكات لم يُفتح على قاعدة المساءلة والعدالة. ما جرى خلال أكثر من عام من الاحتجاز يكشف نمطاً ممنهجاً من الاعتقال التعسفي والإخفاء القسري وسوء المعاملة، وهي ممارسات لا تتعارض فقط مع القانون اليمني والالتزامات الدولية، بل تنسف أيضاً أي ادعاء بوجود إجراءات قانونية سليمة.”
وأضاف: “القانون اليمني، ولا سيما قانون الإجراءات الجزائية، يوجب الإفراج عن الموقوف خلال 24 ساعة إذا لم تثبت ضده اتهامات أو لم يُعرض على جهة قضائية مختصة، لكن ما حدث مع هؤلاء الصحفيين كان نقيض ذلك تماماً؛ إذ جرى احتجازهم لأشهر طويلة خارج أي ضمانات قانونية، ثم أُفرج عن بعضهم بشروط وقيود لا تنهي الانتهاك بل تمدده إلى ما بعد الإفراج. كما أن التهم التي وُجهت إليهم ارتبطت بعملهم الصحفي، وتكررت فيها مزاعم فضفاضة مثل التخابر وزعزعة الأمن، وهي اتهامات تُستخدم كثيراً لتجريم العمل الإعلامي المستقل.”
وفي شهادة لأحد أهالي الصحفيين الستة، طالباً عدم الكشف عن هويته خشية تعرضه للانتقام:
“منذ اللحظة الأولى لاعتقال ابني، دخلنا في دوامة من القلق والبحث والانتظار. لم نكن نعرف أين هو، وكلما سألنا قيل لنا شيئاً مختلفاً؛ مرة قالوا إنه في صنعاء، ومرة في حجة، ومرة إنه نُقل خارج الحديدة. كنا نبحث عنه في كل مكان، ونطرق كل باب، ونعيش على أمل خبر يطمئننا، لكن الأشهر كانت تمر وهو غائب عنا، حتى اكتشفنا لاحقاً أنه كان طوال الوقت محتجزاً في سجن الأمن والمخابرات بالحديدة.”
وأضاف: “لم يُفرج عنه إلا بعد أن اضطررنا إلى تقديم ضمانات تجارية، وكان ذلك صعباً جداً لأن كثيراً من التجار رفضوا، خصوصاً أن هذا الملف مرتبط بقضايا سياسية. بحثنا وتعبنا كثيراً، ثم فُرض علينا أيضاً تعهد بعدم الخروج أو السفر من المحافظة إلا بعد موافقة السلطات الأمنية. خسرنا مبالغ مالية كبيرة دفعناها لوسطاء وشخصيات مرتبطة بالسلطات أملاً في معرفة مكانه أو تسهيل الإفراج عنه، لكن دون جدوى. وعندما سُمح لنا بزيارته بعد سته أشهر، وجدناه منهكاً ومتعباً، بحالة صحية ونفسية سيئة، وأخبرنا أنه تعرض لتحقيقات طويلة، ووُضع مع زملائه في زنزانة ضيقة ومكتظة، ولم يكن يُسمح لهم باستخدام دورة المياه إلا مرة واحدة في اليوم. خرج إلينا وهو يحمل آثار ما مرّ به، لا كمن أُفرج عنه، بل كمن نجا من تجربة قاسية تركت ندوبها في جسده ونفسيته.”
وتعكس هذه الشهادة، إلى جانب شهادات أخرى جمعتها جهات حقوقية، صورة أوسع عن نمط متكرر من الإخفاء القسري والتضليل بشأن أماكن الاحتجاز، فضلاً عن الابتزاز المالي الذي تتعرض له الأسر، إذ تُجبر في كثير من الحالات على دفع مبالغ لوسطاء أو شخصيات نافذة مقابل وعود بالكشف عن مكان المحتجز أو تسهيل زيارته أو الإفراج عنه، وهو ما يضاعف معاناة الأسر في بلد أنهكته الحرب والأزمة الاقتصادية.
وتؤكد المعلومات التي جمعها المرصد أن الإفراج الجزئي عن بعض الصحفيين لا يسقط المسؤولية عن مرتكبي الانتهاكات، ولا يطوي ملف الاحتجاز التعسفي، بل يفرض ضرورة فتح تحقيقات مستقلة وشفافة، ومحاسبة كل من أصدر الأوامر أو نفذها أو شارك فيها أو تستر عليها، وضمان جبر الضرر للضحايا وأسرهم. فالمساءلة ليست ترفاً حقوقياً، بل شرط أساسي لمنع تكرار الانتهاكات وإعادة الاعتبار لسيادة القانون.
وبحسب المعلومات الواردة في التقرير السنوي الذي أعده مرصد الحريات الإعلامية، فإن 83% من حالات اعتقال الصحفيين خلال عام 2025 تمت دون أوامر قضائية، مع إنكار متكرر من الجهات الأمنية لعمليات الاحتجاز، وإبقاء الصحفيين لأشهر دون توجيه اتهامات رسمية أو إحالتهم إلى القضاء، في مخالفة واضحة لأبسط قواعد العدالة الإجرائية.
وتشير المعلومات التي جمعها المرصد إلى أن ما جرى مع الصحفيين في الحديدة ليس حادثة معزولة، بل جزء من نمط أوسع تمارسه أطراف الصراع المختلفة بدرجات متفاوتة، عبر الاعتقال التعسفي والإخفاء القسري والتضييق على حرية التعبير، غير أن جماعة الحوثي تبقى الأكثر اتساعاً والأشد انتهاكاً بحق الصحفيين، سواء من حيث عدد الحالات أو مدة الاحتجاز أو طبيعة المعاملة داخل أماكن الاحتجاز.
وكانت جماعة الحوثي قد أفرجت في فبراير/شباط الماضي عن الصحفي هيثم داود والإعلامي قيس الشدادي بعد نحو عشرة أشهر من الاحتجاز، عقب اعتقالهما ضمن الحملة الأمنية ذاتها، في مؤشر إضافي على أن الإفراجات الجزئية لا تعني انتهاء الانتهاك، بل غالباً ما تأتي بعد فترات طويلة من الإخفاء والضغط والحرمان.
وباستمرار احتجاز وليد علي غالب، وحسن زياد، ووحيد الصوفي، ونبيل السداوي، وصلاح الروحاني، وأحمد المكش، إضافة إلى استمرار احتجاز الصحفي ناصح شاكر لدى السلطات الأمنية في عدن رغم صدور قرار قضائي بالإفراج عنه، يرتفع عدد الصحفيين الذين ما يزالون رهن الاحتجاز في اليمن إلى سبعة صحفيين، ستة منهم في سجون جماعة الحوثي، وآخر لدى السلطات الأمنية في عدن.
ويجدد مرصد الحريات الإعلامية مطالبته بالإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع الصحفيين المحتجزين، وإنهاء سياسة الاعتقال التعسفي والإخفاء القسري، وفتح تحقيقات مستقلة في الانتهاكات التي تعرضوا لها، ومحاسبة المسؤولين عنها، بما يضمن العدالة للضحايا، ويصون حرية الصحافة، ويحمي حق المجتمع في الوصول إلى المعلومات.
