بيان مشترك: في اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري

في اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري، منظمات حقوقية وإعلامية تطالب بالكشف عن مصير الصحفيين اليمنيين المختفين قسراً ومحاسبة المسؤولين

اليمن: الاختفاء القسري أداة لإسكات الصحافة…

في اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري، منظمات حقوقية وإعلامية تطالب بالكشف عن مصير وحيد الصوفي ومحاسبة المسؤولين عن حالات الاختفاء القسري في حق الصحفيين

 

30 أغسطس/آب 2026 – اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري

بمناسبة اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري، تدعو منظمة المادة 19، ولجنة حماية الصحفيين، ومرصد الحريات الإعلامية (مرصدك) جميع أطراف النزاع والسلطات القائمة في اليمن إلى الوقف الفوري لاستخدام الاختفاء القسري والاحتجاز بمعزل عن العالم الخارجي بحق الصحفيين والعاملين في وسائل الإعلام، والكشف العاجل عن مصير الصحفي وحيد الصوفي الذي لا يزال مجهول المصير منذ اختفائه في أبريل/نيسان 2015.

بعد أكثر من أحد عشر عاما، لا تزال أسرة وحيد الصوفي محرومة من أبسط حق لها : معرفة ما إذا كان حيا، وأين يوجد، وما الذي حدث له. إن استمرار هذا الغموض طوال هذه السنوات لا يمثل واقعة من الماضي، بل انتهاكا مستمرا يضاعف معاناة الضحية وأسرته، ويبعث برسالة ترهيب إلى الصحفيين والعاملين في الإعلام في اليمن مفادها أن ممارسة المهنة قد تكون لها عواقب لا يمكن التنبؤ بها.

إنّ الاختفاء القسري ليس مجرد احتجاز تعسفي أو حرمان غير مشروع من الحرية. فهو يحدث عندما يُحرم شخص من حريته على يد الدولة أو جهات تعمل بإذنها أو بدعمها أو بقبولها، أو على يد جهات تمارس سلطات فعلية، ثم يُنكر احتجازه أو يُخفى مصيره أو مكان وجوده، بما يحرمه من حماية القانون. وتكمن خطورة الاختفاء القسري في أنه يضع الضحية خارج نطاق أي حماية قانونية فعلية، ويحرم الأسرة  من معرفة الحقيقة، ويحول دون الوصول إلى المحامين والقضاء وآليات الرقابة، ويفتح المجال أمام وقوع انتهاكات أخرى، بما في ذلك التعذيب وسوء المعاملة والابتزاز وحتى الوفاة في الاحتجاز، بما يشكل انتهاكا صارخا للقانون الدولي لحقوق الإنسان والاتفاقيات الدولية ذات الصلة.

ولا يقتصر أثر هذه الممارسة على الشخص المخفي وحده، فالاختفاء القسري يستهدف بصورة غير مباشرة، محيط الضحية والأسرة والمجتمع الذي ينتمي إليه. ويُستخدم في سياقات النزاع والقمع كوسيلة لإسكات الأصوات المستقلة وفرض الخوف ومنع الآخرين من طرح الأسئلة أو ممارسة حقوقهم، كما حدث مع صحفيين آخرين في اليمن منهم ناصح شاكر، توفيق المنصوري، يونس عبد السلام، هالة باضاوي، ومحمد الصلاحي وغيرهم.ن الكثير.

تشير البيانات التي وثقها المرصد إلى أن الصحفيين والعاملين في وسائل الإعلام في اليمن، تعرضوا، منذ عام 2015 إلى 540 حالة اعتقال واحتجاز تعسفي، تحولت 235 منها إلى حالات اختفاء قسري.

وتكشف هذه الأرقام عن نمط مقلق، حيث يبدأ الانتهاك في كثير من الحالات بالاعتقال، ثم ينقطع الاتصال بالضحية، أو يُنكر احتجازه، أو تُحجب المعلومات المتعلقة بمكان وجوده. وفي بعض الحالات، تتلقى الأسرة معلومات متضاربة أو مضللة حول مكان الاحتجاز، ما يطيل فترة الغموض ويصعّب الوصول إلى الضحية أو اتخاذ أي إجراء قانوني لحمايته.

إن إنكار الاحتجاز أو التضليل بشأن مكان وجود المحتجز ليس تفصيلا ثانويا في هذه الحالات، بل يزيد من عزل الضحية عن الحماية القانونية، ويمنح الجهة المسؤولة مساحة أكبر لممارسة الانتهاكات بعيدا عن الرقابة والمساءلة.

 

وحيد الصوفي.. أكثر من أحد عشر عامًا من الغياب القسري

يمثل الصحفي وحيد الصوفي واحدة من أطول حالات الاختفاء القسري في حق صحفي في اليمن. ففي 6 أبريل/نيسان 2015 اختفى الصوفي في العاصمة صنعاء، التي تسيطر عليها جماعة أنصار الله (الحوثيين). ومنذ ذلك الحين لم يُكشف عن مصيره ولا عن مكان وجوده، ولم يُعرض على أي جهة قضائية، ولم تعرف التهم الموجهة إليه.

ويأتي اختفاؤه في سياق حملة واسعة استهدفت الصحفيين والعاملين في وسائل الإعلام خلال الفترة ذاتها، الأمر الذي يثير مخاوف جدية بشأن ظروف اختفائه والجهة المسؤولة عنه. وعلى مدى أكثر من أحد عشر عاما واصلت أسرته البحث عنه والمطالبة بالكشف عن مصيره، من دون الحصول على معلومات رسمية تضع حدا لهذا الغموض، بل واجه أفراد منها  تهديدات ومضايقات ما اضطرهم إلى تغيير أماكن إقامتهم  وأرقام هواتفهم، وإغلاق صفحة على فيسبوك كانت الأسرة تستخدمها للمطالبة بالكشف عن مصيره.

إن إبقاء وحيد الصوفي في حالة اختفاء طوال هذه السنوات يعني أن الانتهاك لم ينتهِ. فما دام مصيره ومكان وجوده مجهولين، تظل المخاطر التي تهدده قائمة، كما تظل أسرته محرومة من حقها في معرفة الحقيقة. وتُظهر حالات أخرى في اليمن أن استمرار الاختفاء قد يخفي وراءه انتهاكات بالغة الخطورة. فقد ظل الصحفي محمد المقري مختفيا لأكثر من تسع سنوات قبل أن يتبين لاحقا أنه أُعدم على يد مسلحين من تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية أثناء سيطرتهم على محافظة حضرموت، ما يؤكد أن استمرار الاختفاء القسري لا يعني فقط انتهاك الحرية، بل يشكل تهديدا مباشرا للحياة.

لا تقف آثار الاختفاء القسري عند حرمان الصحفي من حريته. فقد وثقت حالات في اليمن تعرض فيها صحفيون، بعد فترات من الاختفاء أو الاحتجاز بمعزل عن العالم الخارجي، للتعذيب أو سوء المعاملة أو ظروف احتجاز قاسية، إلى جانب حرمانهم من التواصل مع أسرهم ومحاميهم.

فقد تعرض الصحفي ناصح شاكر للاختفاء لما يقارب العام، بعد توقيفه في مطار عدن، قبل أن يتبين لاحقا أنه تعرض للاحتجاز والتعذيب والمعاملة القاسية والمهينة، واستمرت تداعيات قضيته حتى اليوم، رغم صدور قرار بالإفراج عنه. كما تعرضت الصحفية هالة باضاوي للاختفاء القسري في محافظة حضرموت، ثم احتُجزت لأكثر من مائة يوم، وتعرضت لحملة تشويه أثرت على حياتها المهنية والشخصية، ما دفعها إلى الابتعاد عن العمل الصحفي.

وفي حالات أخرى، استُخدمت معلومات مضللة حول أماكن احتجاز صحفيين لإبقاء أسرهم والمجتمع خارج دائرة المعرفة. ومن بين هذه الحالات قضية الصحفي وليد علي غالب وستة صحفيين آخرين في الحديدة، حيث استمر الغموض حول أماكن احتجازهم لعدة أشهر، قبل أن تتضح معلومات عن وجودهم  في سجن الأمن والمخابرات، والسماح لاحقا بزيارتهم.

وتوضح هذه الحالات أن الاختفاء والاحتجاز بمعزل عن العالم الخارجي لا يمثلان انتهاكا منفصلا، بل قد يكونان بداية لسلسلة من الانتهاكات التي تشمل التعذيب وسوء المعاملة والابتزاز والحرمان من التواصل مع الأسرة والمحامي، في ظل غياب الرقابة القضائية والمساءلة.

إن استهداف الصحفيين بالاختفاء القسري والاحتجاز السري لا يهدف فقط إلى إسكات أفراد بعينهم. فهو يبعث برسالة إلى الوسط الصحفي بأكملهمفادها أن  من يطرح الأسئلة، أو ينتقد السلطات، أو يتناول قضايا سياسية وحقوقية وإنسانية، قد يواجه المصير نفسه.

وهكذا يتحول الاختفاء القسري إلى أداة للترهيب تتجاوز الضحية المباشر. فهو يدفع الصحفيين إلى الرقابة الذاتية، ويثنيهم عن تناول القضايا الحساسة، وقد يدفع بعضهم إلى مغادرة المهنة أو البلاد، بما يقوض قدرة الإعلام على أداء دوره في نقل المعلومات ومساءلة أصحاب السلطة.

وفي المقابل، فإن حماية الصحفيين لا تعني فقط منع الاعتقال أو ضمان الإفراج عن المحتجزين. بل تتطلب ضمان ألا يُحرم أي صحفي من الحرية خارج إطار القانون، وألا يُخفى مكان احتجازه، وأن يتمكن من الوصول إلى محامٍ وقاضٍ، وأن تتمكن أسرته من معرفة مصيره، وأن تُحقق السلطات في أي ادعاءات تتعلق بالتعذيب أو سوء المعاملة أو الاختفاء، وأن تتم مساءلة المسؤولين عنها.

وتؤكد المنظمات الموقعة أن الحق في الحرية والأمان الشخصي، والحق في معرفة الحقيقة، والحق في المحاكمة العادلة، والحماية من التعذيب هي حقوق أساسية لا يجوز تعليقها أو الانتقاص منها بذريعة النزاع أو الاعتبارات الأمنية. كما أن الحرمان من الحرية مع إنكار مكان الاحتجاز أو مصير الشخص  يتعارض مع الالتزامات الدولية المتعلقة بحماية الأشخاص من الاختفاء القسري والاحتجاز التعسفي ويمثل انتهاكا صريحا للمادة 9 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، إضافة إلى مخالفته للقانون اليمني.

إن الإفلات من العقاب يغذّي استمرار هذه الانتهاكات. فحين لا تفتح تحقيقات مستقلة ولا  تتم مساءلة المسؤولين ولا يحصل الضحايا وأسرهم على الإنصاف، تصبح الرسالة واضحة بأن هذه الجرائم يمكن أن تتكرر دون عواقب. لذلك، فإن حماية الصحفيين في اليمن تتطلب أكثر من الإفراج عن بعض المحتجزين،  إنها تتطلب كشف الحقيقة، وإنهاء الاختفاء ومحاسبة المسؤولين، وحماية الضحايا وأسرهم وضمان وجبر الضرر لهم وعدم تكرار هذه الانتهاكات.

 

بناء على ما سبق، تطالب المنظمات الموقعة أدناه جميع أطراف النزاع والسلطات القائمة في اليمن بما يلي:

    • الكشف الفوري عن مصير الصحفي وحيد الصوفي ومكان وجوده، والإفراج عنه فورا إذا كان محتجزا، أو توضيح مصيره وفقا للقانون وضمان حق أسرته في معرفة الحقيقة.
    • الإفراج عن جميع الصحفيين والعاملين في وسائل الإعلام المحتجزين تعسفيا أو توجيه أي اتهامات إليهم وفق القانون وتقديمهم إلى محاكمة عادلة أمام جهة قضائية مستقلة ونزيهة.
    • الوقف الفوري لجميع أشكال الاختفاء القسري والاحتجاز السري بحق الصحفيين، وعدم استخدام هذه الممارسات لمعاقبتهم أو إسكاتهم.
    • ضمان تسجيل جميع حالات الاحتجاز والكشف عن أماكن المحتجزين، وتمكينهم فورا من التواصل مع أسرهم ومحاميهم والوصول إلى القضاء.
    • السماح للجهات الدولية المستقلة والمنظمات الحقوقية المختصة بالوصول إلى أماكن الاحتجاز والسجون والتحقق من أوضاع المحتجزين.
    • فتح تحقيقات مستقلة وفعالة في جميع حالات الاختفاء القسري والاحتجاز التعسفي والتعذيب وسوء المعاملة، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته عنها، بغض النظر عن صفته أو الجهة التي ينتمي إليها.
    • إغلاق أماكن الاحتجاز غير الرسمية وضمان خضوع جميع أماكن الاحتجاز للرقابة القضائية والآليات المستقلة للرقابة.
    • حماية أسر الأشخاص المختفين والمدافعين عن حقوق الإنسان والمحامين والشهود من التهديد والمضايقة والانتقام، وضمان حقهم في البحث عن الحقيقة والوصول إلى العدالة.
    • مواءمة التشريعات والممارسات الوطنية مع المعايير الدولية، واتخاذ الخطوات اللازمة لتجريم الاختفاء القسري وضمان عدم الإفلات من العقاب.

المنظمات الموقعة:

منظمة المادة 19

لجنة حماية الصحفيين

مرصد الحريات الإعلامية (مرصدك)