ناصح شاكر… عام من الاختفاء القسري وحكم قضائي لم يُنهِ المعاناة

الصحفي ناصح شاكر تعرض للاعتقال اثناء سفرة لخارج اليمنليتم اخفائة قسرا في عدنلما يقارب العام من قبل المجلس الانتقالي الجنوبي

في 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2023، اعتُقل الصحفي ناصح شاكر في مطار عدن الدولي أثناء استعداده للسفر للمشاركة في ورشة تدريبية خارج اليمن، لتبدأ رحلة اختفاء قسري استمرت قرابة عام. وخلال تلك الفترة، أنكرت الجهات الأمنية احتجازه، بينما عاشت أسرته أشهراً من القلق والبحث بين المقرات الأمنية والعسكرية دون معرفة مصيره.

وفي محاولة لكشف مصيره، قاد مرصد الحريات الإعلامية في اليمن (مرصدك) جهوداً قانونية وميدانية متواصلة، حصل خلالها على وثائق تؤكد أن ناصح لم يغادر عدن. فقد أظهرت مذكرة من شركة الاتصالات أن آخر إشارة لهاتفه كانت بالقرب من أحد أقسام الشرطة في المدينة، كما أكدت مذكرة من الخطوط الجوية اليمنية أنه لم يكن ضمن ركاب الرحلة التي كان يفترض أن يسافر عليها، بما يدحض أي ادعاء بأنه غادر البلاد ويعزز الاشتباه بأنه كان محتجزاً داخل عدن طوال تلك الفترة.

ورغم هذه المؤشرات، استمر الإنكار الرسمي إلى أن أفاد أحد المعتقلين المفرج عنهم، وكان محتجزاً إلى جانب ناصح في سجن الحزام الأمني، بأنه شاهده هناك بعد نقله إلى السجن. وعندها بدأت ملامح الحقيقة تتكشف، لتؤكد لاحقاً محاضر التحقيقات أنه اعتُقل في مطار عدن، ثم نُقل إلى معسكر الحزام الأمني، قبل أن يُحوَل إلى سجن بئر أحمد، لكن بعد أن كان قد دفع ثمناً إنسانياً باهظاً.

تكشف إفادات ناصح لاحقاً أن فترة الإخفاء القسري لم تكن مجرد احتجاز غير معلن، بل سلسلة من الانتهاكات القاسية. فقد وُضع في الحبس الانفرادي، وتعرض للضرب والتعذيب الجسدي والنفسي، والحرمان من الرعاية الطبية، ومنع من الشمس والهواء، حتى ظهرت آثار التعذيب واضحة على رأسه ورقبته وكتفيه وظهره. ولم يكن الألم جسدياً فقط، بل كان أيضاً شعوراً خانقاً بالعجز والغياب، إذ حُرم من معرفة ما يجري حوله، ومن التواصل مع أسرته، ومن أي حماية قانونية.

وفي 20 مايو/أيار 2025، أخبر ناصح النيابة بتعرضه للتعذيب وطلب عرضه على طبيب لتوثيق إصاباته، لكن طلبه رُفض. كما جدد محاميه الطلب أمام المحكمة الجزائية المتخصصة، إلا أن الرفض تكرر، في تجاهل واضح لواجب التحقيق في ادعاءات التعذيب وضمان حقه في العلاج والإنصاف.

وخلال أكثر من عام من الإخفاء القسري، حُرم ناصح من أبسط ضمانات العدالة؛ فلم يُسمح له بالتواصل مع أسرته أو بمحامٍ، ولم يُعرض سريعاً على جهة قضائية مستقلة، ولم يتمكن من الطعن في قانونية احتجازه. وحتى بعد ظهوره، لم تنته معاناته، إذ لم يتمكن من مقابلة محاميه إلا بعد نحو ثمانية عشر شهراً، وبعد تدخل مرصد الحريات الإعلامية في اليمن الذي تولى تعيين محامٍ للدفاع عنه، بينما كانت إدارة السجن ترفض تنفيذ التصاريح الرسمية بالسماح بالزيارة.

وأظهرت محاضر التحقيقات اللاحقة أن سبب اعتقاله مرتبط بعمله الصحفي، وهو ما يجعل قضيته مثالاً مؤلماً على استخدام الإخفاء القسري والاحتجاز كوسيلة لإسكات الصحفيين ومعاقبتهم على مهنتهم، في انتهاك صارخ للقانون ولأبسط مبادئ العدالة.

وفي 20 يناير/كانون الثاني 2026، أصدرت المحكمة الجزائية حكماً بالإفراج عنه والاكتفاء بالمدة التي قضاها في الاحتجاز، إلا أن إدارة سجن بئر أحمد رفضت تنفيذ الحكم، كما امتنعت عن تنفيذ قرارات النيابة اللاحقة، ليستمر احتجازه رغم صدور قرار قضائي واضح. وقد عمّق هذا الرفض شعور أسرته بأن القانون نفسه عاجز عن إنقاذه من دائرة الاحتجاز التعسفي.

أما أسرته، فقد دفعت ثمناً إنسانياً قاسياً طوال فترة اختفائه. فوالدته المسنة عاشت أشهراً طويلة بين الدعاء والقلق، لا تعرف إن كان ابنها حياً أم ميتاً. وبعد جهود استمرت قرابة شهر من التنسيق قادها المرصد مع الجهات القضائية وإدارة السجن، تمكنت هي وشقيقته من زيارته للمرة الأولى، بعد رحلة شاقة تقارب 370 كيلومتراً من صنعاء إلى عدن، عبر طرق وعرة وعشرات نقاط التفتيش.

تقول والدته إنها بالكاد تعرفت عليه عندما رأته؛ فقد بدا منهكاً، وظهرت على جسده آثار واضحة للتعذيب، بينها تورمات في الرأس وآثار حروق بين الرقبة والكتف. وأخبرها أنه قضى الأسبوع الأول بعد نقله إلى سجن بئر أحمد في زنزانة انفرادية، تحت إجراءات عقابية قاسية. وكانت هي نفسها تعاني أمراض القلب والسكري التي تفاقمت بسبب الخوف المستمر عليه، لكنها أخفت مرضها عنه أثناء الزيارة حتى لا تزيد من ألمه النفسي.

تمثل قضية ناصح شاكر صورة موجعة لما تفعله جريمة الإخفاء القسري بالإنسان وأسرته؛ فهي لا تسلب الحرية فقط، بل تسرق الطمأنينة، وتترك الضحية بين الألم والانتظار، وتحوّل الأسرة إلى رهينة للقلق والبحث والخذلان. كما تكشف القضية كيف يمكن أن يُحتجز الصحفي خارج القانون، ثم يُحرم من العلاج والدفاع، ثم يُترك الحكم القضائي بلا تنفيذ، في مشهد يختصر حجم المعاناة ويؤكد أن الإخفاء القسري ليس مجرد غياب، بل عقوبة مفتوحة تمس الجسد والروح والحق في الحياة الكريمة.