هالة باضاوي.. من الاعتقال إلى الإفراج بالضمان والتوقفت عن العمل خوفاً
بعد أكثر من مائة يوم من الاعتقال التعسفي، أفرجت المحكمة الجزائية المتخصصة بمحافظة حضرموت عن الصحفية اليمنية هالة باضاوي بضمان حضوري، مع إلزامها بحضور جلسات المحاكمة اللاحقة، في قضية أثارت مخاوف واسعة بشأن استخدام القضاء الاستثنائي لملاحقة الصحفيين بسبب عملهم الإعلامي.
وجاء قرار الإفراج بعد حملة حقوقية وإعلامية واسعة طالبت بإنهاء احتجازها، إلا أن القضية كشفت عن سلسلة من الانتهاكات التي تعرضت لها منذ لحظة اعتقالها، بدأت بالاختفاء القسري، مروراً بالاحتجاز خارج إطار القانون، والتعذيب، وحملات التشهير، وصولاً إلى إحالتها للمحكمة الجزائية المتخصصة رغم ارتباط القضية بنشاطها الصحفي.
اعتقال أثناء ممارسة عملها الصحفي
في مساء الخميس 30 ديسمبر/كانون الأول 2021، تعرضت الصحفية هالة باضاوي للاعتقال في مدينة المكلا بمحافظة حضرموت، أثناء خروجها من مقر المنطقة العسكرية الثانية.
وبحسب إفادات أسرتها، فقد اعترضها مسلحون وصعدوا إلى سيارتها وأجبروها على التوجه إلى مقر الاستخبارات العسكرية. وعند وصولها، رفضت الخروج من السيارة قبل حضور مدير الاستخبارات، وقامت بتوثيق ما تعرضت له عبر منشور أخير نشرته، كما تواصلت مع زوجها لإبلاغه بمكان وجودها.
بعد ذلك، تم احتجازها في سجن الاستخبارات العسكرية، وانقطع التواصل معها، ولم يسمح لأسرتها بزيارتها سوى مرة واحدة، قبل نقلها لاحقاً إلى السجن المركزي في الثالث من يناير/كانون الثاني 2022.
ثلاثة أيام من الإخفاء القسري ومخاوف من التعذيب
خلال الأيام الأولى من اعتقالها، عاشت أسرة هالة باضاوي حالة من القلق بسبب عدم معرفة مكان احتجازها أو وضعها الصحي، قبل أن يتضح لاحقاً أنها محتجزة لدى الاستخبارات العسكرية.
وأفادت أسرتها بأنها تعرضت للضرب أثناء فترة احتجازها الأولى، وأنها نقلت إلى السجن المركزي وهي تعاني من إصابة في يدها اليمنى، إضافة إلى آثار نفسية صعبة نتيجة ظروف الاحتجاز والانفراد.
كما وضعت الصحفية في الحبس الانفرادي، وفق إفادات أسرتها، في إجراءات اعتبرها محاموها مخالفة للضمانات القانونية المتعلقة بحقوق المحتجزين.
اتهامات خطيرة ومحاكمة أمام جهة استثنائية
وجهت السلطات الأمنية للصحفية هالة باضاوي اتهامات تتعلق بأعمال تخريبية وعدائية، وهي اتهامات وصفتها أسرتها ودفاعها بأنها غير صحيحة ولا تستند إلى أدلة قانونية، معتبرين أن خلفيتها مرتبطة بعملها الصحفي ومواقفها النقدية.
وتعد قضية باضاوي من الحالات النادرة في اليمن التي تواجه فيها صحفية اتهامات بهذا المستوى من الخطورة، حيث تم إحالة ملفها إلى النيابة الجزائية المتخصصة، ثم إلى المحكمة الجزائية المتخصصة، رغم أن قضايا الصحافة والنشر يفترض أن تخضع للقوانين المنظمة للعمل الإعلامي والقضاء المختص بها.
ويرى حقوقيون أن إحالة الصحفيين إلى محاكم استثنائية يمثل توسعاً في استخدام أدوات العدالة الجنائية لتقييد حرية التعبير والعمل الصحفي.
مماطلة في الإجراءات وإطالة فترة الاحتجاز
بعد نقل باضاوي إلى السجن المركزي، واجهت أسرتها صعوبات في معرفة وضع ملفها، حيث تم إبلاغها في البداية بأن القضية أحيلت إلى النيابة الجزائية، قبل أن تتضح لاحقاً عدم إحالة الملف، ما أدى إلى تأخير بدء التحقيقات.
كما تم تأجيل أولى جلسات التحقيق بحجة غياب عضو النيابة، الأمر الذي اعتبره فريق الدفاع محاولة لإطالة فترة احتجازها دون مسوغ قانوني.
وقالت محامية الدفاع عن الصحفية إن الإجراءات التي اتبعت في القضية عكست رغبة في إبقاء باضاوي محتجزة لفترة أطول، رغم عدم وجود مبررات قانونية كافية لذلك.
حملة تشهير مرافقة للاعتقال
لم تقتصر الانتهاكات التي تعرضت لها هالة باضاوي على الجانب القانوني، بل رافق اعتقالها حملة تشهير إعلامية، تزامنت مع بدء إجراءات التحقيق معها.
وترى منظمات حقوقية أن حملات التشويه ضد الصحفيين المعتقلين تستخدم في اليمن كوسيلة للضغط عليهم وتقويض سمعتهم الاجتماعية والمهنية، إضافة إلى التأثير على الرأي العام قبل صدور أي حكم قضائي.
معاناة الأسرة والضغوط النفسية
تسببت قضية باضاوي في ضغوط نفسية كبيرة على أسرتها، التي عاشت فترة طويلة من عدم اليقين بشأن مصيرها وظروف احتجازها.
كما أثرت القضية على حياتها المهنية والشخصية، حيث توقفت عن العمل الصحفي بعد الإفراج عنها خوفاً من الملاحقة أو التعرض لانتهاكات جديدة، وفق ما أفاد به مقربون منها.
وتبرز هذه المعاناة جانباً آخر من الانتهاكات التي تطال الصحفيات في اليمن، حيث لا يقتصر أثر الاعتقال على الصحفية نفسها، بل يمتد إلى أسرتها ومستقبلها المهني.
تضامن حقوقي وإعلامي ورسالة إلى محافظ حضرموت
منذ الأيام الأولى لاعتقالها، قاد مرصد الحريات الإعلامية في اليمن، بالتعاون مع لجنة حماية الصحفيين الدولية وأكثر من أربعين منظمة محلية ودولية، حملة تضامن حقوقية وإعلامية واسعة دعمتها وقفة احتجاجية في المكلا وبيان مشترك أدان الاعتقال وطالب بالإفراج الفوري عنها، كما وجّه المرصد رسالة إلى محافظ حضرموت مبخوت بن ماضي دعا فيها إلى حماية الصحفيين وضمان حرية الصحافة ووقف الانتهاكات والممارسات التعسفية، محذراً من تصاعدها في المحافظة وتوثيق 68 انتهاكاً منذ عام 2015 وحتى منتصف 2022.
قضية تكشف مخاطر العمل الصحفي في اليمن
تكشف قضية هالة باضاوي استمرار المخاطر التي تواجه الصحفيين والصحفيات في اليمن، حيث أصبح العمل الإعلامي سبباً للتعرض للاعتقال والتهديد والمحاكمات، بدلاً من أن يكون حقاً مكفولاً بموجب الدستور والقوانين الوطنية والمواثيق الدولية.
ورغم الإفراج عنها، فإن استمرار محاكمتها يبقي القضية مفتوحة، ويؤكد الحاجة إلى ضمان استقلال القضاء، وإيقاف استخدام التهم الفضفاضة والمحاكم الاستثنائية ضد الصحفيين، وحماية الحق في حرية الرأي والتعبير.
إن قضية هالة باضاوي ليست مجرد قضية صحفية واحدة، بل نموذج لحجم الضغوط التي تواجهها الصحفيات اليمنيات، ورسالة واضحة حول ضرورة إنهاء الإفلات من العقاب عن الانتهاكات المرتكبة بحق الإعلاميين.
