وحيد الصوفي.. 11 عاماً من الاختفاء القسري في سجون الحوثيين وجريمة مستمرة بلا مساءلة
منذ مساء السادس من أبريل/نيسان 2015، يعيش الصحفي اليمني وحيد الصوفي في عداد المفقودين، بعد أن اعتقله مسلحون تابعون لجماعة الحوثي في العاصمة صنعاء، قبل أن ينقطع أثره تماماً. وعلى مدى 3,685 يوماً حتى نهاية يونيو/حزيران 2026، لم تحصل أسرته أو محاموه أو المنظمات الحقوقية على أي معلومة مؤكدة تكشف مكان احتجازه أو وضعه الصحي أو حتى ما إذا كان لا يزال على قيد الحياة.
وتُعد قضية الصوفي واحدة من أطول وأخطر قضايا الاختفاء القسري للصحفيين في اليمن، إذ تحولت من واقعة اعتقال تعسفي إلى جريمة مستمرة تخفي مصير إنسان وصحفي منذ أكثر من أحد عشر عاماً، في انتهاك جسيم للقانون اليمني والقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان.
لحظة اعتقاله
كان وحيد الصوفي يشغل منصب رئيس تحرير صحيفة العربية وموقع العربية أون لاين. وفي السادس من أبريل/نيسان 2015، توجه إلى بريد منطقة التحرير وسط العاصمة صنعاء لسداد خط الإنترنت، قبل أن يتعرض للاعتقال التعسفي من داخل المكان على يد مسلحين تابعين لجماعة الحوثي.
وبحسب المعلومات التي وثقها مرصد الحريات الإعلامية وإفادات أفراد أسرته وشهود عيان، كان الصوفي بالقرب من مكتب البريد عندما اقدم مسلحان يرتديان ملابس مدنية وسألاه عن علاقته بقناة “العربية” وعن أسباب تصويره لمناطق في العاصمة، قبل أن يقتاداه بالقوة إلى سيارة بيضاء من نوع “لاند كروزر” لا تحمل لوحة معدنية، ويتوجها به إلى مكان مجهول.
وكان ابن شقيقه، فهمي الصوفي، برفقته قبل لحظات من الاعتقال، حيث انفصل عنه مؤقتاً لتصوير بطاقته الشخصية، وعند عودته شاهد المسلحين وهم يجبرون عمه على الصعود إلى السيارة، في مشهد انتهى باختفائه الكامل منذ ذلك اليوم.
كما أفادت الأسرة أن الصوفي كان قد تنقل في صنعاء قبل اعتقاله، وأن توقيفه جاء في سياق استهداف واضح له بصفته صحفياً، لا أثناء قيامه بعمل ميداني مباشر في تلك اللحظة.
من اعتقال تعسفي إلى اختفاء قسري
لم تقتصر الانتهاكات على حرمان الصوفي من حريته، بل تطورت إلى اختفاء قسري كامل، حيث رفضت الجهات الأمنية الخاضعة لسيطرة جماعة الحوثي الاعتراف باحتجازه أو الكشف عن مكان وجوده، كما لم تسمح لأسرته أو محاميه بزيارته أو التواصل معه، ولم تعرضه على أي جهة قضائية.
وبذلك توافرت الأركان القانونية لجريمة الاختفاء القسري، المتمثلة في الحرمان من الحرية على يد جهة تسيطر فعلياً على الأرض، يتبعه إنكار الاحتجاز أو إخفاء مصير الضحية ومكان وجوده، بما يضعه خارج حماية القانون.
وتشير تجارب عديدة في اليمن إلى أن سلطات الأمر الواقع كثيراً ما أنكرت احتجاز أشخاص، قبل أن يتبين لاحقاً وجودهم داخل سجونها، الأمر الذي يزيد من المخاوف بشأن مصير الصوفي.
رحلة بحث استمرت سنوات دون نتيجة
منذ اختفائه، بدأت أسرته رحلة طويلة وشاقة للبحث عنه، متنقلة بين إدارة البحث الجنائي، والأجهزة الأمنية، والنيابة العامة، والجهات الرسمية الخاضعة لسيطرة الحوثيين، دون الحصول على أي إجابة.
كما خاطبت الأسرة اللجنة الدولية للصليب الأحمر، ومكتب المبعوث الأممي، وعدداً من المنظمات الحقوقية اليمنية والإقليمية والدولية، مطالبة بالمساعدة في الكشف عن مصيره، إلا أن جميع تلك الجهود لم تحقق أي تقدم.
ولم تقتصر المعاناة على الإجراءات الرسمية، بل اضطرت الأسرة إلى التواصل مع وسطاء وشخصيات قالت إنها قريبة من جماعة الحوثي، ودفع مبالغ مالية كبيرة بعد تلقي وعود بالحصول على معلومات أو الإفراج عنه، غير أن جميع تلك الوعود انتهت دون نتيجة.
وبعد أكثر من أحد عشر عاماً، لا تزال الأسرة تطرح السؤال ذاته: أين وحيد الصوفي؟ وهل ما يزال حياً؟
أسرة تنتظر بلا إجابة
ترك اختفاء وحيد الصوفي آثاراً إنسانية قاسية على أسرته، فقد كانت زوجته وابنتاه، نوران ومايا، تعيشان على أمل عودته خلال الأيام الأولى، قبل أن تتحول الأيام إلى أشهر، ثم إلى سنوات طويلة من الانتظار والقلق.
كبرت ابنتاه في ظل غياب والدهما، بينما فقدت الأسرة معيلها الوحيد، لتواجه أعباء اقتصادية ونفسية متراكمة في واحدة من أصعب الفترات التي شهدها اليمن.
وتبقى كلمات ابنته نوران، التي ناشدت في إحدى المناسبات عودة والدها قائلة: “يارب أنت تسمع دعاء الأطفال… يارب أفرحنا بعودة أبي إلى البيت“، من أكثر الشهادات تعبيراً عن حجم المأساة التي تعيشها عائلات المختفين قسراً.
ولا تتوقف آثار الاختفاء القسري عند الضحية وحده، بل تمتد إلى أسرته التي تعيش سنوات من القلق وعدم اليقين، محرومة من معرفة الحقيقة أو إنهاء حالة الانتظار المفتوح.
سابقة تزيد المخاوف
تتضاعف المخاوف على مصير وحيد الصوفي في ضوء ما حدث للصحفي محمد المقري، الذي ظل مختفياً قسراً منذ عام 2015 في سجون تنظيم القاعدة بمحافظة حضرموت، قبل أن يعلن التنظيم في ديسمبر/كانون الأول 2024 أنه أعدمه.
وتبرز هذه السابقة المخاطر الحقيقية التي تتهدد المختفين قسراً في اليمن، إذ قد تمر سنوات طويلة قبل أن تظهر الحقيقة، أو قد لا تظهر إطلاقاً، وهو ما يجعل استمرار إخفاء الصوفي مصدر قلق بالغ على حياته وسلامته.
انتهاكات تخالف القانون اليمني والمواثيق الدولية
يشكل ما تعرض له وحيد الصوفي انتهاكاً لعدد من النصوص القانونية اليمنية والدولية، وفي مقدمتها الدستور اليمني وقانون الإجراءات الجزائية، اللذان يجرمان القبض خارج إطار القانون ويلزمان بعرض المحتجز على القضاء وإبلاغ أسرته بمكان احتجازه.
كما يمثل الاختفاء القسري انتهاكاً للعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي يحظر الاعتقال التعسفي ويكفل الحق في الحرية والأمان الشخصي والمحاكمة العادلة، فضلاً عن مخالفته للإعلان المتعلق بحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، وما استقر عليه القانون الدولي من اعتبار الاختفاء القسري جريمة مستمرة ما دام مصير الضحية مجهولاً.
ويحرم هذا الانتهاك الضحية من جملة حقوق أساسية، بينها الحق في الحرية، والمحاكمة العادلة، والتواصل مع أسرته، والحماية من التعذيب وسوء المعاملة، والحق في الحياة إذا انتهى الأمر بتصفيته.
الإفلات من العقاب يغذي استمرار الجريمة
تكشف قضية وحيد الصوفي، كما عشرات القضايا المشابهة، عن استمرار سياسة الإفلات من العقاب في اليمن، حيث لم يفتح أي تحقيق مستقل يكشف المسؤولين عن اختفائه، ولم تتم مساءلة أي جهة عن هذه الجريمة رغم مرور أكثر من أحد عشر عاماً.
ويؤدي غياب المحاسبة إلى تشجيع أطراف النزاع على مواصلة استخدام الاعتقال التعسفي والاختفاء القسري كوسيلة لإسكات الصحفيين ومنع التغطية الإعلامية المستقلة، في ظل انهيار منظومة العدالة وتعطل آليات الإنصاف.
ووفقاً لبيانات مرصد الحريات الإعلامية، فقد وثق المرصد منذ عام 2015 عشرات حالات القتل ومئات حالات الاعتقال والاحتجاز والإخفاء القسري بحق الصحفيين والعاملين في وسائل الإعلام، في مؤشر على أن هذه الانتهاكات لم تعد حوادث فردية، بل أصبحت نمطاً متكرراً استهدف حرية الصحافة في اليمن.
قضية لم تغلق بعد
بعد مرور 3,685 يوماً على اختفائه، لا تزال قضية وحيد الصوفي جريمة مستمرة قانوناً وواقعاً، إذ إن إخفاء مصيره لم ينتهِ، ولم تحصل أسرته على حقها في معرفة الحقيقة، كما لم يمثل المسؤولون عنها أمام العدالة.
ويجدد مرصد الحريات الإعلامية مطالبته لجماعة الحوثي بالكشف الفوري عن مصير الصحفي وحيد الصوفي، والإفصاح عن مكان احتجازه إن كان على قيد الحياة، وتمكين أسرته من التواصل معه، أو تسليم رفاته إذا كان قد توفي، وفتح تحقيق مستقل وشفاف يفضي إلى محاسبة جميع المسؤولين عن هذه الجريمة، وإنهاء سياسة الإفلات من العقاب التي أسهمت في استمرار الانتهاكات بحق الصحفيين في اليمن.
إن قضية وحيد الصوفي لم تعد مجرد قضية صحفي مفقود، بل أصبحت رمزاً لمعاناة الصحفيين المختفين قسراً في اليمن، واختباراً حقيقياً لقدرة المجتمع الدولي وآليات العدالة على حماية الصحفيين وضمان حق أسرهم في معرفة الحقيقة، وإنصاف الضحايا ومحاسبة مرتكبي هذه الجرائم.
